العيني

288

عمدة القاري

أبو داود في الطب عن محمد بن المتوكل العسقلاني وغيره . وأخرجه النسائي فيه عن محمد بن محمد بن عبد الأعلى . قوله : ( لا عدوى ) أي : لا سراية للمرض عن صاحبه إلى غيره ، وقد مر تحقيقه غير مرة ، وكذا مر تفسير قوله : ( ولا صفر ولا هامة ) في : باب الجذام . قوله : ( فما بال الإبل ) بالباء الموحدة أي : فما شأنها . قوله : ( كأنها الظباء ) بكسر الظاء المعجمة جمع ظبي ، شبهها بها في صفاء بدنها وسلامتها من الجرب وغيره من الأدواء . قوله : ( فيخالطها ) من المخالطة ، يعني : يدخل البعير الأجرب بين الإبل الصحاح عن الجرب فيجربها ، بضم الياء ، يعني : يعدي جربه إليها فتجرب . قوله : فمن أعدى الأول ؟ أي من أجرب البعير الأُول ، يعني ممن سرى إليه الجرب ؟ فإن قلت : من بعير آخر يلزم التسلسل ، وإن قلت : بسبب آخر ، فعليك بيانه ، وإن قلت : إن الذي فعله في الأول هو الذي فعله في الثاني ، ثبت المدعي ، وهو أن الذي فعل في الجميع ذلك هو الله الخالق القادر على كل شيء ، وهذا جواب من النبي صلى الله عليه وسلم في غاية البلاغة والرشاقة . 5771 حدّثنا وعنْ أبي سَلَمَةَ سَمِعَ أبا هُرَيْرَةَ بَعْدُ يَقُولُ : قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم : لا يُورِدَنَّ مُمْرِضٌ على مُصِحٍّ . وأنْكَرَ أبُو هُرَيْرَةَ حَدِيثَ الأوَّلِ ، قُلْنا : ألَمْ تُحَدِّثْ أنَّهُ لا عَدْوى ؟ فَرَطَنَ بالحَبَشِيَّةِ . قال : أبُو سلَمَةَ : فَما رأيْتُهُ نسيَ حَدِيثاً غَيْرَهُ . ( انظر الحديث : 5771 طرفه في : 5774 ) . قوله : وعن أبي سلمة سمع أبا هريرة ، عطف على قوله : عن أبي سلمة عن أبي هريرة . قوله : ( بعد ) أي بعد أن سمع منه لا عدوى إلى آخره . يقول : قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لا يوردن ممرض ) إلى آخره . قوله : ( لا يوردن ) بنون التأكيد للنهي عن الإيراد وفي رواية مسلم : لا يورد ، بلفظ النفي وهو خبر بمعنى النهي ، ومفعول : لا يوردن محذوف تقديره : لا يوردن ممرض ماشية على ماشية مصح . قوله : ( ممرض ) بضم الميم الأولى وسكون الثانية وكسر الراء وبالضاد المعجمة ، وهو اسم فاعل من الإمراض من أمرض الرجل إذا وقع في ماله آفة ، والمراد بالممرض هنا الذي له إبل مرضى . قوله : ( على مصح ) بضم الميم وكسر الصاد المهملة وتشديد الحاء ، وهو الذي له إبل صحاح ، والتوفيق بين الحديثين بما قاله ابن بطال وهو : أن لا عدوى ، إعلام بأنها لا حقيقة لها ، وأما النهي فلئلا يتوهم المصح أن مرضها من أجل ورود المرضى عليها فيكون داخلاً بتوهمه ذلك في تصحيح ما أبطله النبي صلى الله عليه وسلم من العدوي . وقال النووي : المراد بقوله : ( لا عدوى ) يعني : ما كانوا يعتقدونه أن المرض يعدي بطبعه ، ولم ينف حصول الضرر عند ذلك بقدرة الله تعالى وجعله ، وبقوله : ( لا يوردن ) الإرشاد إلى مجانبة ما يحصل الضرر عنده في العادة بفعل الله وقدره ، وقيل : النهي ليس للعدوى بل للتأذي بالرائحة الكريهة ونحوها . قوله : ( وأنكر أبو هريرة الحديث الأول ) وهو قوله : ( لا عدوى ) إلى آخره ، ووقع في رواية المستملي والسرخسي : حديث الأول ، بالإضافة وهو من قبيل قولهم : مسجد الجامع . قوله : ( قلنا ألم تحدِّث ) عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( لا عدوى ) الخ . . . القائل أبو سلمة ومن معه في ذلك الوقت أي : قلنا لأبي هريرة ألم تحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : لا عدوى إلى آخره . قوله : ( فرطن بالحبشية ) قال الكرماني : أي تكلم بالعجمية أي : تكلم بما لا يفهم ، والحاصل في ذلك أنه غضب فتكلم بما لا يفهم ، ولا رطانة بالحبشية هنا حقيقة . قوله : ( فما رأيته ) أي : أبا هريرة . قوله : ( غيره ) أي : غير الحديث الذي هو قوله : لا عدوى إلى آخره . فإن قلت : قد مضى في : باب حفظ العلم ، أن أبا هريرة قال : فما نسيت شيئاً بعده أي : بعد بسط الرداء بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم . قلت : هو قال : ما رأيته نسي ، ولا يلزم من عدم رؤيته النسيان نسيانه . وقال في ( صحيح مسلم ) بهذه العبارة : لا أدري أنسي أبو هريرة أو نسخ أحد القولين الآخر ، وقال ابن التين : لعل أبا هريرة كان سمع هذا الحديث قبل أن يسمع من النبي صلى الله عليه وسلم حديث : من بسط رداءه ثم ضمه إليه لم ينس شيئاً سمعه من مقالتي ، وقيل : المراد أنه لا ينسى تلك المقالة التي قالها ذلك اليوم ، لا أنه ينتفي عنه النسيان أصلاً ، وقيل : كان الحديث الثاني ناسخاً للأول فسكت عن المنسوخ ، وفيه نظر لا يخفى . 54 ( ( بابٌ لا عَدْواى ) )